من طنجة إلى الصحراء.. روسيا ترسخ شراكتها مع المغرب بأسطول صيد صناعي وحصة 54 ألف طن في المياه الأطلسية
جريدة النهضة
تشهد العلاقات المغربية الروسية تحولاً استراتيجياً بارزاً يعيد رسم خارطة النفوذ الاقتصادي في منطقة الأطلسي، حيث كرست موسكو حضورها الميداني عبر توسيع حصة صيدها الصناعي لتصل إلى 54 ألف طن من الأسماك السطحية، في خطوة تعكس نهجاً “براغماتياً” يتجاوز مجرد تبادل السلع إلى تثبيت شراكة بحرية معمقة.
وتأتي هذه التطورات، وفق معطيات الوكالة الفيدرالية الروسية لمصايد الأسماك، في ظرفية دولية محتدمة تتسم بتصاعد التنافس على الموارد البحرية، حيث بات الصيد أداة نفوذ تتقاطع فيها حسابات الأمن الغذائي بالجغرافيا السياسية، خاصة وأن هذه الحصة تشمل أنواعاً استراتيجية كالسردين والماكريل، وتمتد لتشمل سواحل الأقاليم الجنوبية للمملكة التي تعد مركز الثقل الحقيقي للثروة السمكية.
ويندرج هذا التوسع ضمن اتفاقية جديدة أُبرمت عام 2025، تؤسس لمرحلة متقدمة من التعاون، وتأتي كرد فعل عملي على حالة التذبذب القانوني والسياسي التي طبعت علاقة الرباط مع شريكها التقليدي، الاتحاد الأوروبي، إثر الطعون القضائية المتعلقة باتفاقيات الفلاحة والصيد.
هذا المناخ دفع المغرب نحو تنويع شركائه لضمان استدامة استغلال موارده بعيداً عن القيود السياسية، بينما وجدت روسيا في السواحل المغربية مجالاً حيوياً لتعزيز موقعها في سلاسل الإمداد العالمية والالتفاف على تداعيات العقوبات الغربية.
ولا تقتصر هذه الشراكة على استخراج الموارد، بل تمتد لتشمل صيداً صناعياً متطوراً عبر سفن ضخمة قادرة على المعالجة والتجميد في عرض البحر، مما يمنح موسكو قدرة أكبر على المناورة في الأسواق الدولية.
وعلى الصعيد التجاري الشامل، سجلت سنة 2025 دينامية استثنائية، حيث ناهز حجم المبادلات بين البلدين ملياري دولار، مع قفزة نوعية بلغت 30% في النصف الأول من العام مقارنة بالسنة السابقة.
وتكشف بنية هذه المبادلات عن تداخل عميق في المصالح؛ إذ تهيمن المواد الاستراتيجية كالحبوب، وخاصة القمح الروسي الذي استورد منه المغرب نحو مليون طن، إلى جانب الأسمدة والطاقة والمعادن، وهي عناصر تشكل العمود الفقري للأمن الغذائي والصناعي المغربي.
في المقابل، عزز المغرب موقعه كمورد رئيسي لروسيا في قطاع الحوامض والفواكه، حيث سجلت صادرات “الماندرين” ارتفاعاً قياسياً بنسبة 74%، مما يبرز قدرة المنتجات المغربية على ملء الفراغ في السوق الروسية بعد إعادة توجيه تدفقاتها بعيداً عن الفضاء الأوروبي.
ويتجاوز هذا التعاون الأطر التقليدية للتبادل التجاري ليمتد إلى آفاق صناعية وتكنولوجية واعدة، تشمل مجالات الطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا الزراعية.
فروسيا لم تعد تكتفي بتصدير المواد الأولية، بل باتت تورد معدات صناعية ومنتجات طاقية متطورة، بينما يسعى المغرب لتوظيف هذا الانفتاح لتعزيز هامش مناورته الدولية وتثبيت مكانته كمنصة إقليمية تربط بين القارة الإفريقية والأسواق الصاعدة.
إن هذا التحول في العلاقة من مجرد تبادل تجاري إلى شراكة متعددة الأبعاد، يعكس رغبة متبادلة في بناء قطب اقتصادي مرن قادر على الصمود أمام التحولات الجيوسياسية المتسارعة، ويؤكد أن السواحل الأطلسية أصبحت اليوم ساحة لترجمة التوازنات الدولية الجديدة.
