الساعة الإضافية تقسم المغرب.. حملة “التصويت المشروط” تحول قضية زمنية إلى معركة سياسية
جريدة النهضة
في خطوة معبرة عن تزايد الاستياء الشعبي من سياسة حكومية اعتمدتها المملكة قبل ثماني سنوات، نجحت حملة مدنية في حشد أكثر من 31 ألف توقيع خلال أيام معدودة، للمطالبة بالعودة إلى التوقيت القانوني والتخلي عن نظام الساعة الإضافية الذي ما فتئ يثير جدلا واسعا في الأوساط الشعبية والرسمية على حد سواء.
إصرار حكومي مستمر على اعتماد هذا النظام الزمني، رغم موجة رفض اجتماعي متنامية تكتسب زخما يوما بعد يوم، يعكس هوة متسعة بين توجهات السلطة التنفيذية وطموحات فئات واسعة من المواطنين الذين باتوا ينظرون إلى هذا الخيار كعبء يومي يؤثر بشكل مباشر على جودة حياتهم وصحتهم النفسية والجسدية.
الحملة الوطنية من أجل العودة إلى الساعة القانونية، التي انطلقت من المنصات الرقمية، امتدت بسرعة لتصبح قضية رأي عام متكاملة تشغل بال الإعلاميين والسياسيين وتجبر على إعادة النظر في قرار تم اتخاذه سنة 2018 بعيدا عن الضغط المدني المباشر. فعلى أرض الواقع، انتقل النقاش من مستوى التفاصيل الإدارية والتقنية إلى ساحة الجدل المجتمعي الأوسع، حيث يتقاطع مع قضايا الصحة العمومية والتوازن النفسي والتربية والعدالة الاجتماعية.
الانتقادات التي يوجهها معارضو هذا النظام الزمني تستند إلى أدلة علمية وتجارب عملية. فقد أوضحت الفعاليات المدنية والخبراء أن النظام الإضافي يُحدث خللا في الإيقاع البيولوجي للأفراد، وبخاصة لدى الأطفال والطلاب، مما ينعكس سلبا على جودة نومهم وتركيزهم الدراسي والمهني. خلال فترة الشتاء بالتحديد، يزداد الضرر حيث يتقلص الضوء الطبيعي في ساعات الصباح المبكرة، الأمر الذي يفرض تحديات إضافية على السلامة الطرقية والتنقلات اليومية، فضلا عن آثاره على ظروف المدارس ومقرات العمل.
من جهتها، تبرر الحكومة استمرارها في اعتماد هذا النظام بمحاجج اقتصادية، في مقدمتها تحقيق تزامن زمني أفضل مع الشركاء الأوروبيين. إلا أن المعترضين على هذا التبرير يؤكدون أن المكاسب الاقتصادية المفترضة، إن وجدت، لا تستحق ثمنها الاجتماعي والصحي الذي يدفعه الملايين من المواطنين يوميا. وقد ذهبت دراسة صادرة عن المركز الإفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة أبعد من ذلك، بإشارتها إلى وجود “تكاليف استراتيجية موثقة” تطال الصحة العامة والسلامة الطرقية والعدالة الجغرافية، بينما لا توجد أدلة حاسمة على تحقيق وفورات فعلية في استهلاك الطاقة أو زيادة الإنتاجية.
في مواجهة هذا الوضع، أعلنت الحملة المدنية عن الانتقال إلى مرحلة جديدة من التصعيد المنظم والفعال. فقد أعدّت خطة عمل متعددة المسارات، تهدف إلى نقل المطلب من مجرد تعبئة رقمية إلى المؤسسات والقنوات الرسمية. أولا، تنوي الحملة إعداد عريضة موثقة تتوافق مع المقتضيات القانونية، بحيث يمكن تقديمها مباشرة للجهات المختصة. ثانيا، ستتوجه الحملة نحو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لطلب إجراء تقييم شامل ومستقل لتأثيرات الساعة الإضافية، يستند إلى معطيات علمية دقيقة ويأخذ في الاعتبار الأبعاد الصحية والتربوية والاجتماعية.
في خطوة ثالثة، وفي تطور يعكس نضج الحركة المدنية، قررت الحملة ربط هذا الملف مباشرة بالعملية الانتخابية، من خلال ما سمّته “التصويت المشروط”، أي دعم الأحزاب السياسية التي تتعهد بمراجعة نظام التوقيت المعتمد. هذا التحول يشير إلى تحول جوهري في طبيعة القضية، من مطلب اجتماعي بحت إلى ورقة ضغط سياسية قد تؤثر بشكل فعلي على نتائج الاستحقاقات الانتخابية القادمة.
مع ذلك، حرصت الحملة على التأكيد بأن نهجها يبقى في إطار المسؤولية والهدوء، وأعلنت عن دعوتها الحكومة والقوى السياسية إلى فتح حوار وطني جاد وشامل حول إدارة التوقيت الرسمي للمملكة. الهدف من هذا الحوار هو البحث عن توازن حقيقي بين ما تسميه الحكومة بمتطلبات الكفاءة الاقتصادية وبين ما يطالب به المواطنون من ضمانات للراحة الاجتماعية والصحية.
وفي ظل اقتراب موعد الانتقال إلى التوقيت الصيفي، المقرر في الثانية صباحا من يوم الأحد 22 من مارس الجاري، عندما سيتم إضافة ساعة كاملة إلى الساعة القانونية، تشير كل المؤشرات إلى أن هذا الملف سيشهد مزيدا من الاحتدام. فالمسافة بين موقف حكومي راسخ ومصمم على المضي قدما بخياراته، وبين حركة مدنية متنامية وآخذة في اكتساب قوة سياسية، تبدو بعيدة جدا عن الانغلاق أو التوافق في المستقبل القريب.
