المفاوضات السرية في مدريد.. خطوة أمريكية نحو حل نهائي لنزاع الصحراء
جريدة النهضة
تواصلت المفاوضات السرية حول قضية الصحراء في العاصمة الإسبانية مدريد ليوم ثان على التوالي، بعد أن طلب مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس دونالد ترامب لشؤون إفريقيا والعالم العربي، تمديد الجولة التفاوضية يوما إضافيا.
هذا التمديد، الذي وافقت عليه جميع الأطراف المعنية، يأتي في محاولة للوصول إلى اتفاق مبدئي يمكن أن يشكل نقطة تحول تاريخية في نزاع استمر لأكثر من خمسة عقود.
استضافت السفارة الأمريكية في مدريد هذه المفاوضات التي انطلقت يوم الأحد، وشهدت حضورا رفيع المستوى من مختلف الأطراف المعنية.
فإلى جانب مسعد بولس، حضر مايكل والتز، السفير الأمريكي الدائم لدى الأمم المتحدة في نيويورك، وستافان دي ميستورا، المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء.
أما الأطراف الإقليمية فمثلها وزير الخارجية ناصر بوريطة، ونظيره الجزائري أحمد عطاف، والموريتاني محمد سالم ولد مرزوك، بالإضافة إلى محمد يسلم بيسط ممثل جبهة البوليساريو.
رغم السرية المشددة التي فرضتها الإدارة الأمريكية على هذه المفاوضات، حيث طالب بولس جميع الأطراف بعدم تسريب أي معلومات لوسائل الإعلام، إلا أن المعطيات المتاحة تكشف عن إطار عام طموح تسعى واشنطن لتحقيقه.
يتمحور هذا الإطار حول اعتماد المبادرة المغربية للحكم الذاتي في صيغتها المحدثة المكونة من أربعين صفحة كأساس تقني للتفاوض، استنادا إلى قرار مجلس الأمن رقم 2797.
هذا التوجه يمثل تحولا دبلوماسيا كبيرا، إذ يضع مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب كوثيقة تقنية وحيدة على طاولة المفاوضات، ما يعني ضمنيا استبعاد أي بدائل أخرى كانت الجزائر تسعى للترويج لها.
تتبنى الإدارة الأمريكية رؤية شاملة لا تقتصر على قضية الصحراء بمعزل عن سياقها الإقليمي، بل تتعامل مع الملف كجزء من صراع ثنائي أوسع بين المغرب والجزائر.
هذه المقاربة تفسر سبب وضع قضايا أخرى عالقة بين البلدين على طاولة النقاش، بما في ذلك القطيعة الدبلوماسية وملف الحدود البرية، واشنطن، بصفتها الطرف الراعي، تحاول إيجاد صيغ توافقية شاملة يمكن أن تنهي عقودا من التوتر بين الجارين المغاربيين.
الخطة الزمنية التي وضعتها الإدارة الأمريكية تبدو طموحة ومحددة بدقة، فقد حددت واشنطن مدة ثلاثة أشهر للعملية التفاوضية بأكملها، تنتهي في مايو المقبل، وهو الموعد المقترح لاجتماع جميع الأطراف في نيويورك لتوقيع اتفاق إطار يمهد للإنهاء الفعلي للنزاع.
هذه الخارطة الطريق، التي أطلق عليها اسم “مدريد 2026″، تتضمن عدة مراحل تحضيرية تسبق القمة المزمع عقدها في واشنطن لتوقيع الاتفاق الإطاري النهائي.
لم يخل المشهد التفاوضي من لحظات توتر كشفت عن عمق الخلافات القائمة، فقد رفض وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف التقاط صورة جماعية تجمعه بنظيره المغربي ناصر بوريطة ومسعد بولس وستافان دي ميستورا، خشية أن يفسر ذلك على أنه تمهيد لتطبيع العلاقات مع الرباط.
هذا الموقف يعكس التعقيدات السياسية والحساسيات الداخلية التي تواجه الجزائر في التعامل مع هذا الملف، رغم مشاركتها في المفاوضات.
حضور ستافان دي ميستورا في هذه المفاوضات ليس عرضيا، بل يعكس سعي الإدارة الأمريكية لوضع مخرجات العملية التفاوضية في مسار أممي يضمن الشرعية الدولية لأي اتفاق يتم التوصل إليه، هذا التنسيق بين الجهود الأمريكية والإطار الأممي يهدف إلى ضمان استدامة أي حل يتم التوصل إليه وقبوله دوليا.
الإدارة الأمريكية تبدو عازمة على إنهاء هذا الملف العالق، وهو ما يتماشى مع تصريحات سابقة لستيف ويتكوف، المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي إلى الشرق الأوسط، في أكتوبر 2025، حيث اعتبر نزاع الصحراء العائق الأكبر أمام أي اتفاق سلام إقليمي.
هذا التوجه يشير إلى أن واشنطن تنظر إلى حل هذا النزاع كمدخل لإعادة تشكيل المشهد الأمني والسياسي في شمال إفريقيا.
بينما كانت المفاوضات مستمرة يوم الاثنين، استغل وزيرا الخارجية المغربي والإسباني خوسي مانويل ألباريس فرصة التواجد في مدريد لعقد اجتماع ثنائي على هامش المفاوضات.
هذا اللقاء يعكس التنسيق المتزايد بين الرباط ومدريد حول ملف الصحراء، خاصة بعد التحولات الإيجابية التي شهدتها العلاقات بين البلدين في السنوات الأخيرة.
من المتوقع أن تصدر وزارة الخارجية الأمريكية بيانا رسميا في وقت لاحق من اليوم حول نتائج هذه الجولة التفاوضية، وهو ما سيعطي الطابع الرسمي والملزم لما تم التوصل إليه.
هذا البيان المرتقب يحظى باهتمام دولي واسع، إذ قد يكشف عن معالم التسوية المقترحة ويحدد الخطوات التالية في العملية التفاوضية.
ما يجري في مدريد يمثل لحظة فارقة في تاريخ نزاع الصحراء، فللمرة الأولى منذ عقود، تجلس جميع الأطراف المعنية على طاولة واحدة برعاية أمريكية مباشرة وبإطار زمني محدد، مع وجود وثيقة تقنية واحدة كأساس للتفاوض.
هذا التقارب، رغم الصعوبات والحساسيات المحيطة به، قد يفتح الباب أمام إنهاء أحد أطول النزاعات في المنطقة، بشرط أن تتمكن الأطراف من تجاوز خلافاتها التاريخية والتوصل إلى تسوية تراعي المصالح الإقليمية وتضع حدا لمعاناة استمرت عقودا.
