قضية الصحراء.. نحو تسوية تفاوضية بمنطق الواقعية السياسية
جريدة النهضة: مقال رآي
السالك الداودي: باحث ومهتم بقضية الصحراء
تعد قضية الصحراء إحدى أكثر النزاعات الإقليمية تعقيدا واستمرارية في النظام الدولي المعاصر، نظرا لتشابك أبعادها القانونية والسياسية والأمنية، وتداخل الفاعلين الإقليميين والدوليين فيها.
فقد شكل النزاع، منذ اندلاعه، مجالا لتفاعل مبادئ القانون الدولي، وفي مقدمتها السيادة الوطنية وتقرير المصير، مع اعتبارات توازن القوى ومتطلبات الاستقرار الإقليمي، غير أن التحولات التي شهدها السياقان الإقليمي والدولي خلال السنوات الأخيرة تفرض إعادة مقاربة هذا النزاع من منظور تحليلي يتجاوز السرد التاريخي، نحو تفكيك ديناميات القوة والشرعية التي تحكم مساراته الراهنة.
أولا: من المقاربة القانونية إلى منطق الواقعية السياسية
شهدت قضية الصحراء انتقالا تدريجيا من منطق تسوية يستند أساسا إلى الشرعية القانونية الدولية، نحو منطق إدارة النزاع وفق اعتبارات الواقعية السياسية.
ففي حين كان مبدأ تقرير المصير يشكل الإطار المرجعي المركزي للنقاش الدولي، أصبح تحقيق الاستقرار الإقليمي عاملا محددا في صياغة مواقف الفاعلين الدوليين.
ويعكس هذا التحول إعادة تعريف ضمنية لمفهوم السيادة في العلاقات الدولية، حيث لم يعد ينظر إليه كمبدأ مطلق، بل كإطار مرن قابل للتكييف بما يخدم متطلبات الأمن والاستقرار.
ثانيا: العامل الإقليمي وحدود الفعل الأممي
تظهر تطورات النزاع أن العامل الإقليمي بات أكثر تأثيرا في استمراريته من العامل الأممي، فدور الأمم المتحدة، رغم مركزيته الشكلية، اتجه عمليا نحو إدارة النزاع وتنظيم التفاعلات بين الأطراف، بدل فرض تسوية نهائية.
ويبرز في هذا السياق الدور الجزائري باعتباره عنصرا استراتيجيا في معادلة التوازن الإقليمي، حيث يرتبط موقف الجزائر من النزاع باعتبارات جيوسياسية تتجاوز الإطار القانوني المعلن.
غير أن قرار مجلس الأمن رقم 2797 ، يمثل نقطة تحول نوعية، إذ أكد دعم العملية السياسية، واعتبر أن الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية يشكل الإطار الأكثر واقعية وجدوى للتوصل إلى حل سياسي دائم، مع تحديده الصريح للأطراف الأربعة المعنية بالنزاع.
وقد ساهم هذا التوجه في إعادة تشكيل ميزان القوة التفاوضي، ووضع بعض الفاعلين الإقليميين أمام إكراهات سياسية متزايدة.
ثالثا: الحكم الذاتي وإعادة تشكيل ميزان التفاوض
يعكس الدعم الدولي المتنامي لمقترح الحكم الذاتي تحولا في أولويات المجتمع الدولي، حيث تراجعت مركزية خطاب تقرير المصير لصالح مقاربة تسعى إلى التوفيق بين الشرعية القانونية ومتطلبات الاستقرار الإقليمي.
ومن المنتظر أن يعزز تقديم المغرب نسخة محدثة من مبادرة الحكم الذاتي هذا المسار، خاصة إذا اقترن بتكثيف تحركات المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة، بما يسهم في دفع الأطراف نحو مفاوضات أكثر جدية.
وفي هذا الإطار، يرجح أن يتزايد الضغط الدولي على الأطراف الرافضة للمسار التفاوضي، لا سيما في ظل اتساع دائرة الدول الداعمة لمقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب ، وهو ما يعكس تحولا في الإدراك الدولي لطبيعة النزاع وحدود الحلول الممكنة.
رابعا: إشكالات البحث وآفاق التسوية
تثير هذه التحولات مجموعة من الإشكالات البحثية ذات الأهمية البالغة في مجالات السياسة الدولية والقانون الدولي والدراسات الأمنية، من أبرزها:
•حدود اعتبار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الإطار الواقعي الوحيد لتسوية النزاع.
•طبيعة الدور الراهن للأمم المتحدة بين إدارة النزاع والدفع نحو حل نهائي.
•تأثير اعتراف القوى الكبرى بسيادة المغرب على موازين التفاوض.
•إمكانات التوفيق بين مبدأ تقرير المصير ونظام الحكم الذاتي في القانون الدولي.
•الدور الفعلي للجزائر وإمكانية إعادة تعريفه في أفق تسوية سياسية.
•آليات إشراك السكان الصحراويين بشكل مؤسسي وفعلي في الحل السياسي.
يظهر مسار قضية الصحراء أن النزاع يتجه نحو تسوية سياسية توافقية، مدفوعة بإدراك متزايد داخل المجتمع الدولي بأن الإشكال لم يعد ينحصر في سؤال السيادة في حد ذاته، بل في كيفية تدبير الحل، وتحديد أطرافه، واستيعاب كلفته السياسية والأمنية والإنسانية.
هذا التحول شكل انتقالا من منطق المبادئ المجردة إلى منطق إدارة الاستقرار، بما يعيد تشكيل معايير الشرعية في النظام الدولي المعاصر.

