اتفاقيات أوروبية-مغربية جديدة تعزز الشراكة الإستراتيجية وتفتح آفاقا اقتصادية واسعة للمملكة
جريدة النهضة
أكد كريستوف هانسن، المفوض الأوروبي المكلف بالفلاحة والتنمية القروية، أن توثيق أواصر التعاون مع الرباط يمثل مدخلاً استراتيجيا لمعالجة التحديات المشتركة بين ضفتي المتوسط، وعلى رأسها ظاهرة الهجرة غير النظامية التي تشكل هاجسا متزايدا للقارة الأوروبية.
وفي حوار شامل أجرته معه صحيفة “إل ديباتي” الإسبانية، شدد المسؤول الأوروبي على أن خلق فرص عمل حقيقية أمام الشباب المغربي داخل بلده يشكل الحل الأنجع للحد من دوافع الهجرة، مشيرا إلى أن هذا التوجه يتطلب استثمارات مكثفة في البنية الزراعية وتطوير أنظمة الري وتوسيع استخدام الطاقات المتجددة في المناطق الجنوبية بالمملكة.
وربط هانسن بين الأمن الغذائي والبعد الدفاعي لأوروبا، موضحا أن ضمان إمدادات غذائية مستقرة وذات جودة عالية للمستهلكين الأوروبيين بات يحتل موقعا محوريا في الاستراتيجية الأوروبية، خاصة في ظل التقلبات الجيوسياسية العالمية التي أبرزت هشاشة سلاسل التوريد الدولية.
وتطرق المفوض إلى الاتفاقات التجارية التي يعقدها الاتحاد مع شركائه خارج القارة، من بينها اتفاقية “ميركوسور” مع دول أميركا الجنوبية، مؤكدا أنها تفتح آفاقا واسعة أمام الصادرات الأوروبية المحمية بمؤشرات جغرافية، لا سيما في البلدان المتوسطية كإسبانيا وفرنسا وإيطاليا والبرتغال، مع وضع ضمانات لحماية القطاعات الحساسة من المنافسة غير المتكافئة.
وفي هذا الإطار، شدد على ضرورة تشديد الرقابة الحدودية لضمان امتثال المنتجات المستوردة للمعايير الصحية والبيئية الأوروبية، بما ينسجم مع قواعد منظمة التجارة العالمية، مؤكدا أن هذه الإجراءات ليست موجهة ضد أي شريك بعينه، وإنما تهدف إلى حماية المستهلك الأوروبي وضمان تكافؤ الفرص للمنتجين المحليين.
وبخصوص التعديلات التي أدخلت على الاتفاق الفلاحي بين الاتحاد الأوروبي والمغرب استجابة لحكم محكمة العدل الأوروبية، نفى هانسن أن تكون هذه التعديلات قد منحت المغرب امتيازات إضافية، موضحا أن الهدف الأساسي كان “معالجة الإشكال القانوني” المرتبط بتحديد منشأ المنتجات القادمة من الأقاليم الجنوبية للمملكة.
واعتبر أن الوضوح في تحديد المصدر يمثل “خطوة إيجابية” تعزز الشفافية وتمنح المستهلكين معلومات دقيقة حول ما يشترونه.
وأكد المسؤول الأوروبي أن تطوير الشراكة مع المغرب في المجال الزراعي، خاصة في المناطق الجنوبية، يندرج ضمن رؤية استراتيجية شاملة تهدف إلى خلق دينامية اقتصادية مستدامة تساهم في استقرار المنطقة برمتها.
ورأى أن تحقيق التوازن بين مصالح المزارعين الأوروبيين والحاجة إلى شراكات فاعلة مع دول الجوار يتطلب رؤية ممتدة على مدى خمس سنوات على الأقل، تأخذ في الاعتبار الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والأمنية للعلاقات عبر المتوسط.
وعلى صعيد متصل، كشف كوستاس كاديس، المفوض الأوروبي المكلف بشؤون الصيد البحري والمحيطات، عن موافقة المفوضية الأوروبية على اقتراح فتح مفاوضات جديدة مع المغرب حول اتفاقية الصيد البحري، وذلك خلال جلسة استماع نظمتها لجان برلمانية مشتركة في الكونغرس الإسباني.
وأوضح أن الاقتراح سيعرض على حكومات الدول الأعضاء السبع والعشرين لإطلاق المسار التفاوضي، معتبرا هذه الخطوة تطورا نوعيا في العلاقات الثنائية، خاصة بعد الحكم القضائي الأوروبي الذي أدى إلى تعليق العمل باتفاقيتي الشراكة التجارية والصيد البحري.
وتكتسي اتفاقية الصيد أهمية خاصة للأساطيل الأوروبية، لا سيما تلك القادمة من المناطق الإسبانية في الأندلس وغاليسيا وجزر الكناري، والتي كانت تعمل في المياه المغربية بموجب البروتوكول السابق الذي منح تراخيص لـ138 سفينة، من بينها 92 سفينة إسبانية، قبل أن ينتهي العمل به في يوليوز 2023.
وفي مطلع أكتوبر الماضي، تم التوقيع رسميا بمقر المفوضية الأوروبية في بروكسيل على تبادل الرسائل المعدلة للاتفاق الفلاحي، في خطوة عكست عمق الشراكة الاستراتيجية بين الطرفين.
وينص الاتفاق المعدل على استمرار استفادة المنتجات الفلاحية المغربية، بما فيها تلك القادمة من الأقاليم الجنوبية، من الشروط التفضيلية للولوج إلى السوق الأوروبية، مع إدراج تعديلات تقنية تشمل ملصقات توضح مناطق الإنتاج في العيون والساقية الحمراء والداخلة ووادي الذهب.
ويأتي هذا التحرك الأوروبي في أعقاب صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797، الذي اعتبر مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب بمثابة الأساس الواقعي والجدي لتسوية النزاع الإقليمي حول الصحراء، ما يعكس تقاربا متزايدا بين المقاربة الدولية والرؤية الأوروبية تجاه القضية، ويعزز آفاق التعاون الاقتصادي والتنموي في المنطقة.

