زواج القاصرات في المغرب.. تحدي مستمر رغم الجهود الرسمية للقضاء عليه
جريدة النهضة
تشهد ظاهرة زواج القاصرات في المغرب تراجعا ملحوظا في الأرقام، إلا أنها تبقى واقعا مؤلما يطال آلاف الفتيات سنويا، خاصة في المناطق الريفية المعزولة.
ففي عام 2023، سجلت 8452 حالة زواج مبكر وفقا للمندوبية السامية للتخطيط، وهو ما يمثل 3.39% من إجمالي الزيجات في البلاد.
هذه الأرقام، وإن كانت تعكس انخفاضا كبيرا مقارنة بالعقود الماضية، تكشف عن استمرار معاناة قطاع من الفتيات المغربيات اللواتي يحرمن من طفولتهن وحقهن في التعليم.
وتؤكد دراسة وطنية أنجزتها رئاسة النيابة العامة بالتعاون مع اليونيسيف أن حالات الزواج المبكر تراجعت بنسبة 75% بين عامي 2010 و2023، حيث انخفضت من حوالي 40 ألف حالة إلى أقل من 8500 حالة.
تتركز هذه الممارسة بشكل أساسي في الأوساط القروية الفقيرة والمعزولة، حيث تشكل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية العامل المحرك الرئيسي لاستمرارها. وتوضح عاطفة تيمجردين، الناشطة في الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب، أن 93% من حالات الزواج المبكر تطال الفتيات، وتنتشر خصوصا في بيئات تتسم بالعنف الأسري وغياب فرص التعليم.
ويفسر بعض المختصين في علم الاجتماع هذه الظاهرة بكونها غالبا ما ترتبط بمصالح العائلات المادية، خاصة في المناطق القروية، حيث ينظر إلى تزويج الفتيات في سن 16-17 عاما كوسيلة لتخفيف الأعباء المالية وضمان مستقبل أفضل، لاسيما إذا كان الزوج من طبقة اجتماعية أعلى. لكن هذه “الحلول العائلية” سرعان ما تتحول إلى مشاكل نفسية واجتماعية معقدة، إذ تجد الفتيات أنفسهن محاصرات في علاقات مضطربة قد تتسم بالعنف أو الإهمال.
من الناحية القانونية، حدد قانون الأسرة المغربي الصادر عام 2004 سن الزواج القانوني في 18 عاما، لكنه ترك مجالا للاستثناء من خلال المادتين 20 و21، حيث يمكن للقاصر التقدم بطلب إذن قضائي خاص يخضع لتقييم طبي واجتماعي. غير أن الممارسة العملية أظهرت تحول هذه الاستثناءات إلى قاعدة شبه عامة، حيث تضاعف عدد حالات زواج القاصرين خلال عقد واحد بعد صدور المدونة، وانتقل من 18,300 حالة إلى أكثر من 33,500 حالة.
في بعض الأحيان، تلجأ العائلات إلى ما يعرف بـ”زواج الفاتحة” عند رفض المحكمة منح الإذن، خاصة في حالات الحمل، مما يضع القضاء أمام الأمر الواقع ويضطره للاعتراف بالزواج حفاظا على الحقوق القانونية للطفل والأم. وقد استغل هذا النوع من الزواج أحيانا كوسيلة للتحايل على قانون الأسرة، سواء لتزويج القاصرات خارج الإطار القضائي أو لإضفاء الشرعية على زواج ثان .
التبعات الصحية والاجتماعية لزواج القاصرات خطيرة ومتعددة الأبعاد. فمن الناحية الصحية، تتعرض الفتيات لمخاطر جسيمة تشمل فقر الدم وهشاشة العظام وارتفاع معدلات وفيات الأمهات والأطفال. ومن الناحية التعليمية، تنقطع معظم الفتيات عن الدراسة فور الزواج، مما يحرمهن من تطوير قدراتهن وإمكانياتهن المستقبلية. أما اقتصاديا، فتنتج عنه أعباء إضافية بسبب محدودية دخل الأسر الشابة، مما يديم دائرة الفقر ويعمقها.
رغم الانخفاض التدريجي في الإحصائيات، تعترف الحكومة المغربية بأن القضاء على هذه الظاهرة نهائيا خلال السنوات الخمس المقبلة، انسجاما مع أهداف التنمية المستدامة لعام 2030، يبقى تحديا كبيرا.
إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب مقاربة شمولية تتجاوز النصوص القانونية إلى إصلاحات عميقة تشمل التعليم والصحة والحماية الاجتماعية والتمكين الاقتصادي للنساء.
كما تستدعي جهودا ثقافية وتربوية مكثفة لتغيير الذهنيات والممارسات التقليدية التي تنتهك حقوق الطفولة باسم الأعراف الاجتماعية.
يبقى مستقبل آلاف الفتيات المغربيات معلقا بين قوانين تهدف نظريا لحمايتهن وواقع اجتماعي يعيد إنتاج الممارسات التقليدية المضرة.
وبين الفقر والعنف والعادات البالية، تظل المسافة واسعة بين النصوص القانونية وتطبيقها الفعلي على أرض الواقع، مما يجعل من القضاء على زواج القاصرات مهمة تتطلب إرادة سياسية قوية ومشاركة مجتمعية واسعة لحماية براءة الطفولة وضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة.

