سقوط نسور قرطاج في المونديال… ماذا كشفت هزائم تونس الثقيلة؟
جريدة النهضة: هيئة التحرير والنشر
لم تكن الخسارة الثقيلة لمنتخب تونس أمام السويد بخماسية، ثم السقوط برباعية نظيفة أمام اليابان في كأس العالم 2026، مجرد كبوة جواد في مستطيل أخضر، بل كانت صدمة كروية كشفت عورة منظومة رياضية بأكملها.
هذا الخروج المبكر والمهين لم يكن وليد الصدفة، بل جاء كامتداد طبيعي لترنح سابق في كأس أمم إفريقيا بالمغرب، ليؤكد دقة صرخة حنبعل المجبري حين قال إن الكرة التونسية متأخرة وتتطلب البداية من الصفر، واعتراف القائد إلياس السخيري بغياب مشروع حقيقي للتكوين والبنية التحتية مقارنة ببقية قوى القارة.
المفارقة المؤلمة تكمن في أن تونس لم تكن يوما نكرة كرويا، فالتاريخ يشهد لأنديتها كالترجي، والنجم الساحلي، والصفاقسي، والنادي الإفريقي بصناعة الأمجاد القارية.
غير أن هذا الرصيد التاريخي تآكل بفعل ارتجال إداري بلغ ذروته بإقالة مدرب بعد مباراة واحدة في المونديال وتعيين آخر وسط البطولة.
هذا المشهد العبثي داخل أروقة الجامعة التونسية لكرة القدم لا يمكن فصله عن السياق العام للبلاد، فالأعراض متشابهة إلى حد التطابق، حيث غياب الرؤية الإستراتيجية طويلة المدى، وشخصنة القرار، واستبدال الإصلاح الهيكلي بردود الفعل الشعبوية وقصيرة النفس.
لقد عكست كرة القدم التونسية بوضوح مأزقا أعمق يعيشه جسد الدولة، فمنذ عام 2011، وعلى الرغم من مكاسب الحرية والتعددية، عجزت الحكومات المتعاقبة عن بناء استقرار اقتصادي ومؤسساتي وسط صراعات سياسية محتدمة.
وحتى مع الحفاظ على قدرات تنفيذية معينة في عهد النظام السابق، فإن مسار تركيز السلطات منذ 2021 عمق الأزمة بدلا من حلها، وهو ما تترجمه أرقام البنك الدولي الشاهدة على ضعف النمو وتفاقم الدين العام والبطالة، بالتوازي مع تراجع مؤشرات الحريات وتصنيف البلاد كدولة “حرة جزئياً” في تقارير 2026.
إن هذا التداخل بين تراجع الأداء الرياضي والأزمة الهيكلية للدولة يثبت أن تغيير الأسماء والواجهات لم يعد كافيا لعلاج الاختلالات العمياء.
فالمنتخب الذي يبدل مدربه وسط المونديال، والدولة التي تستبدل البناء الدستوري التشاركي بالقرار الفردي، يقعان في الوهم ذاته.
إن الخروج من هذه النكسة المشتركة، رياضيا ووطنيا، يتطلب العودة إلى الهوية التونسية القائمة على الكفاءة، والتعليم، وعصرنة المؤسسات، وتقديم الولاء للوطن، عندها فقط يمكن للكرة أن تستعيد بريقها، ولتونس أن تسترد مكانتها الرائدة.

