خبير اقتصادي جزائري يختفي بعد انتقاده لمشروع غار جبيلات
جريدة النهضة
تفاقمت الأزمة حول مشروع منجم غار جبيلات في الجزائر بعد اختفاء الخبير الاقتصادي جلول سلامة في ظروف غامضة، إثر تصريحات انتقد فيها الجدوى الاقتصادية للمشروع.
الحادثة أعادت إلى الواجهة تساؤلات حول هامش حرية الرأي في المسائل الاقتصادية، وعن التشابك بين الاعتبارات التقنية والحساسيات السياسية المرتبطة بالتوتر مع المغرب.
سلامة، وهو مهندس وحاصل على دكتوراه في الاقتصاد، لم يكن معروفاً بانخراطه في العمل السياسي، بل كان يظهر بانتظام في وسائل الإعلام لتقديم تحليلات تقنية حول السياسات المالية والاقتصادية.
في آخر ظهور إعلامي له، قدم قراءة نقدية لمشروع المنجم، مستنداً إلى معطيات اقتصادية بحتة، من بينها ارتفاع تكاليف النقل بسبب البعد الجغرافي عن الموانئ، وضعف البنية اللوجستية، وحجم الاستثمارات الضخمة المطلوبة.
كما أشار إلى أن تحقيق الربحية قد يستغرق عقودا، ربما حتى عام 2050.
لم يقف سلامة عند حدود النقد، بل طرح بديلا يتمثل في التصنيع المحلي وتحويل خام الحديد داخل الجزائر بدلا من تصديره خاما، خاصة مع ارتفاع نسب الفوسفور فيه، وهو ما يتماشى نظرياً مع الخطاب الرسمي الجزائري حول السيادة الاقتصادية، لكن هذه المقاربة التقنية لم تُقابل بنقاش علني، بل بصمت رسمي مريب تلاه اختفاء الخبير.
مصادر معارضة جزائرية تحدثت عن وضع سلامة رهن الحراسة النظرية لدى فرقة من الدرك الوطني في العاصمة، دون صدور مذكرة توقيف رسمية أو إشعار لعائلته ومحاميه.
هذا التعتيم أثار قلقا في الأوساط الأكاديمية والحقوقية، لا سيما أن الاختفاء جاء مباشرة بعد انتقاده للمشروع، ما يوحي بأن المنجم أصبح موضوعاً محظوراً على النقد العلني.
الجدل الداخلي حول غار جبيلات يتقاطع مع توتر إقليمي متجدد بين الجزائر والمغرب، فالمنجم كان محور معاهدة تعاون وقعها البلدان في يونيو 1972، تزامناً مع اتفاقية ترسيم الحدود، ونصت على إنشاء شركة مشتركة لاستغلال ونقل وتسويق 700 مليون طن من خام الحديد، مع تأكيد السيادة الجزائرية الكاملة على المنجم.
الترتيب جاء استجابة لواقع اقتصادي واضح، إذ تبعد الموانئ المتوسطية الجزائرية أكثر من 1300 كيلومتر عن المنجم، بينما تقع الموانئ الأطلسية المغربية على مسافة أقرب بكثير.
رغم مصادقة الجزائر على المعاهدتين ونشرهما في الجريدة الرسمية عام 1973، إلا أن الشركة المشتركة لم تتأسس قط، وبقي الاتفاق حبراً على ورق لعقود في ظل العلاقات المتوترة بين البلدين.
من الناحية القانونية، يظل الاتفاق سارياً ولا يسقط بالتقادم ما لم يُلغَ أو يُعدَّل بشكل صريح، وهو ما يجعل قرار الجزائر الأحادي باستغلال المنجم وتوقيع مذكرات تفاهم مع تركيا والصين موضع جدل قانوني.
المثير للانتباه أن المغرب لم يتخذ خطوات قانونية فورية أو تصعيدية أمام المحافل الدولية لوقف القرار الجزائري، وهو ما يُفسَّر بأن الموقف المغربي قد يستند جزئياً إلى نفس التحليل الذي قدّمه سلامة حول محدودية العائد الاقتصادي من الاستغلال الأحادي للمنجم في ظل التحديات اللوجستية والمالية الضخمة.
هذه القراءة التقنية المشتركة، رغم صدورها من طرفين مختلفين، تجعل رد الفعل القانوني أقل إلحاحاً وأكثر انتظاراً لتطورات الميدان.
اختفاء سلامة يطرح سؤالا جوهريا حول المساحة المتاحة للتحليل الاقتصادي المستقل في الجزائر، وما إذا كان النقد التقني لمشاريع ذات حساسية سياسية قد أصبح محفوفا بمخاطر قانونية وأمنية، حتى لو جاء من خبراء غير منخرطين سياسيا ويستخدمون لغة الأرقام والمعايير الاقتصادية المعترف بها دوليا.

