نصف قرن من الإشعاع الإعلامي.. إذاعة العيون حارسة الهوية ومنبر الوحدة
جريدة النهضة: العيون
احتضنت مدينة العيون أمسية فكرية واحتفالية استثنائية، استحضرت المسار التاريخي لإذاعة العيون الجهوية في ذكراها الخمسين، تلك المؤسسة الإعلامية العريقة التي شكلت منذ تأسيسها علامة فارقة في المشهد الإعلامي المغربي والوطني.
نظم هذا الحدث مركز لاسويل للإعلام بشراكة مع مركز الدراسات والأبحاث الحسانية التابع لوزارة الثقافة، في مبادرة تهدف إلى تسليط الضوء على الأدوار المتعددة التي اضطلعت بها هذه المحطة الإذاعية عبر عقود من العمل المتواصل.
تكتسي هذه الذكرى أهمية خاصة باعتبار إذاعة العيون من أوائل المرافق العمومية التي جرى تسليمها من طرف الاستعمار الإسباني عقب عودة منطقة الساقية الحمراء إلى حضن الوطن في منتصف سبعينيات القرن الماضي.
فمنذ تلك اللحظة التاريخية، لم تكن الإذاعة مجرد وسيلة إعلامية تقليدية، بل تحولت إلى فاعل وطني حقيقي أسهم بشكل جوهري في ترسيخ مغربية الصحراء والدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة.
في تصريح خاص، أكد محمد الفيرس مدير مركز لاسويل للإعلام أن الاحتفاء بإذاعة العيون في هذه المناسبة هو احتفاء بتاريخ حافل من التضحيات التي قدمها الجيل الأول من العاملين بالإذاعة، حين كانت تحمل اسم “إذاعة صوت التحرير والوحدة الترابية”، قبل أن يتسلم المشعل جيل آخر واصل المسيرة بعد استرجاع الأقاليم الجنوبية.
وأوضح الفيرس أن الإذاعة اضطلعت بدور محوري في مقارعة خصوم الوحدة الترابية من خلال خطاب إعلامي متين اعتمد الحجة والبرهان، وساهم بفعالية في تعزيز الوعي الوطني داخل الأقاليم الجنوبية وخارجها.
رغم التحولات العميقة التي يشهدها المشهد الإعلامي في العصر الرقمي، أشار الفيرس إلى أن الراديو لا يزال يحتفظ بسحره وبريقه الخاص، مؤكداً في الوقت نفسه أن المرحلة الراهنة تفرض تحديات جديدة على المؤسسات الإعلامية التقليدية.
وفي مقدمة هذه التحديات تأتي ضرورة تطوير قدرات الموارد البشرية ووضع استراتيجية رقمية شاملة قادرة على مواكبة تغير عادات التلقي والوصول إلى المتلقي المغربي عبر وسائط جديدة ومتنوعة.
من جانبه، سلط علي الكبش الصحفي بإذاعة العيون الجهوية الضوء على البعد الثقافي لعمل المحطة، مبرزاً أن تخليد الذكرى التأسيسية يشكل مناسبة لاستحضار إسهاماتها الممتدة لأزيد من نصف قرن في خدمة الثقافة الحسانية.
وشدد الكبش على أن الإذاعة ظلت عبر تاريخها تضع هذا المكون الثقافي في صلب اهتماماتها اليومية، سواء من خلال النشرات الإخبارية أو البرامج الأسبوعية والشهرية المتخصصة.
أضاف الكبش أن الندوة الفكرية المنظمة بهذه المناسبة تسعى إلى مقاربة تجربة إذاعة العيون من زوايا متعددة ومتكاملة، مع استحضار أدوارها الأساسية في الترافع عن قضية الصحراء المغربية، إلى جانب مساهمتها الفاعلة في تثمين الثقافة الحسانية باعتبارها ثقافة وطنية أصيلة، كما نص على ذلك دستور المملكة لسنة ٢٠١١ الذي أقر بالتعددية الثقافية للهوية المغربية.
توقف المشاركون في هذه الأمسية الفكرية عند الدور المحوري الذي لعبته الإذاعة الجهوية في التعريف بالموروث الصحراوي الحساني بكل تجلياته، من شعر وأدب شفهي وموسيقى وعادات وتقاليد عريقة، حيث استطاعت أن تحول هذا الموروث إلى مادة حية نابضة في الفضاء الإعلامي الوطني.
هذا الجهد المتواصل أسهم بشكل كبير في حفظ الذاكرة الجماعية للمنطقة وتعزيز الشعور بالانتماء لدى الأجيال المتعاقبة، كما ساهم في نقل الثقافة الحسانية من الإطار المحلي الضيق إلى الساحة الوطنية والدولية.
اختتمت الأمسية بتأكيد جماعي من المشاركين على أن إذاعة العيون الجهوية لم تكن يوماً مجرد محطة بث تقنية، بل كانت ولا تزال مؤسسة مواطنة بامتياز، واكبت التحولات السياسية والثقافية والاجتماعية التي عرفتها الأقاليم الجنوبية على مدى خمسة عقود.
فقد أسهمت هذه المؤسسة الإعلامية بفعالية في الدفاع عن وحدة الوطن وسيادته الترابية، كما نجحت في نقل صوت الصحراء من موقع الهامش إلى قلب النقاش الوطني، مما جعلها جزءاً لا يتجزأ من النسيج الإعلامي والثقافي المغربي.
تبقى هذه الأمسية بمثابة محطة تأمل جماعي في مسيرة مؤسسة إعلامية استطاعت أن تحافظ على رسالتها الوطنية والثقافية رغم كل التحديات، وأن تظل وفية لدورها كحارسة للهوية الحسانية ومنبر للوحدة الوطنية، في زمن تتسارع فيه التحولات وتتعدد فيه المنصات الإعلامية.

