جريدة إلكترونية متجددة على مدار الساعة
ocp 18
Atlas

صمت رسمي مطبق يلف مفاوضات الصحراء السرية بمدريد بحضور أمريكي رفيع المستوى

جريدة النهضة

يلف تكتم شديد غير مسبوق المفاوضات السرية التي جرت اليوم الأحد داخل مقر السفارة الأمريكية بمدريد حول ملف الصحراء، حيث امتنعت كل من الرباط والجزائر عن الإدلاء بأي تصريحات رسمية حول مخرجات هذا اللقاء الدبلوماسي الحساس.

جمع الاجتماع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة ونظيره الجزائري أحمد عطاف، إلى جانب وزير الخارجية الموريتاني محمد سالم ولد مرزوك وممثل جبهة البوليساريو محمد يسلم بيسط، وذلك بحضور أمريكي رفيع المستوى تمثل في مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس دونالد ترامب لشؤون إفريقيا والعالم العربي، ومايكل والتز السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة.

وتركزت المناقشات حول تنزيل الحكم الذاتي في الصحراء وفقا للقرار الأممي الأخير الصادر عن مجلس الأمن.
رغم أهمية هذا اللقاء، لم يصدر حتى مساء الأحد أي بيان رسمي من الحكومات المعنية يوضح طبيعة المحادثات أو المواقف المطروحة، وسط إشارات إلى أن هذه المفاوضات تندرج ضمن دينامية دبلوماسية أمريكية تهدف لإعادة إحياء مسار التفاوض حول نزاع استمر قرابة نصف قرن.

في محاولة لكسر جدار الصمت هذا، سعت مصادر صحافية للتواصل مع دوائر سياسية ودبلوماسية في المغرب والجزائر وأوساط قريبة من جبهة البوليساريو، لكن جميع المحاولات باءت بالفشل، حيث قوبلت الاستفسارات إما بالصمت التام أو بتحفظ شديد، ما يعكس مدى السرية المفروضة على هذه الجولة التفاوضية وحساسية المرحلة الراهنة.

كشفت السلطات الإسبانية أن وزيري خارجية موريتانيا والجزائر متواجدان في مدريد منذ السبت، حيث يعقدان لقاءات تتعلق بملف الصحراء داخل أروقة السفارة الأمريكية، دون أن تصدر أي تأكيدات رسمية من العواصم المعنية حول تفاصيل الاجتماع أو تشكيلة الوفود المشاركة.

يفسر بعض المتابعين هذا الصمت المطبق باعتباره جزءا من استراتيجية التفاوض ذاتها، حيث أوضح محمد الغيث ماء العينين المتخصص في الشأن الصحراوي لوكالة إيفي أن السرية في مثل هذه اللقاءات ليست جديدة، بل تمثل سمة أساسية للمراحل التحضيرية الحساسة التي تسبق أي مسار تفاوضي معلن.

وأشار إلى أن هذا النهج كان حاضراً أيضاً في الفترة التي سبقت تقديم المغرب لمبادرة الحكم الذاتي عام 2007، عندما طُلب من الأحزاب السياسية المغربية تقديم مقترحاتها دون الكشف عنها للعلن.

يرى الخبير أن عزل المباحثات عن الضغوط الإعلامية والشعبية يمنح الأطراف هامشاً أوسع للمناورة، خاصة في قضايا معقدة كملف الصحراء الذي تتشابك فيه الأبعاد السياسية والدبلوماسية والأمنية، مؤكداً أن السرية في هذه المرحلة قد تكون ضرورية لتجنب إحراج المواقف قبل نضوج الخطوط التفاوضية.

تشير قراءات عديدة إلى أن هذا الاجتماع قد يمثل أول محاولة جدية لإعادة ترتيب أجندة تفاوضية تجمع كافة الأطراف المعنية، أي المغرب والبوليساريو والجزائر وموريتانيا، خاصة بعد قرار مجلس الأمن الأخير الذي دعا لاستئناف المحادثات لإيجاد حل سياسي على أساس مبادرة الحكم الذاتي المغربية، حيث يُنظر لهذا القرار كإطار مرجعي جديد قد يفتح آفاقاً لمقاربات محدثة بعد سنوات من الجمود.

في هذا السياق، تفيد تحليلات بأن الجانب المغربي قدم مؤخراً تصورات موسعة لتطوير مقترح الحكم الذاتي، وهو المقترح الذي باتت قرارات الأمم المتحدة تشير إليه كأساس محتمل لأي تسوية مستقبلية.

كما عقدت في نوفمبر الماضي اجتماعات بين الديوان الملكي المغربي ومختلف الأحزاب السياسية طُلب خلالها تقديم رؤى لتحديث المبادرة وتدقيق عناصرها، ما يعكس استمرار النقاش الداخلي حول سبل تعزيز الموقف المغربي.

منذ ذلك الحين، أعلنت أحزاب من الأغلبية والمعارضة رفع مذكراتها للقصر الملكي دون الكشف عن مضامينها، في تناغم مع منطق التحفظ الذي يطبع الملف، فيما حافظت المؤسسة الملكية على الصمت ذاته دون تقديم تفاصيل حول العناصر الجديدة المحتملة في الصيغة المحدثة للحكم الذاتي.

من جهة أخرى، يُتوقع أن تواصل الجزائر التمسك بموقفها التقليدي القائم على مبدأ تقرير المصير، وهو ما تترجمه جبهة البوليساريو بالمطالبة بتنظيم استفتاء يخير بين الاستقلال والحكم الذاتي، رغم أن قرار مجلس الأمن الأخير يعتبر هذا الموقف متجاوزا.

وبين هذين التصورين المتباعدين، يبقى المسار التفاوضي محكوما بتوازنات دقيقة تجعل كل خطوة دبلوماسية تتم في ظل حذر شديد وسرية مطلقة، في انتظار ما قد تكشفه الأيام القادمة من تطورات تكسر هذا الصمت الرسمي المحكم.