أخنوش بين خطاب التقشف والواقع المالي.. كيف وصلت النفقات الحكومية لأعلى مستوياتها رغم المذكرات التوجيهية؟
جريدة النهضة
جدد رئيس الحكومة عزيز أخنوش مرة أخرى دعوته للوزراء وكتاب الدولة إلى تشديد الانضباط في الإنفاق العمومي، في إطار إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2026. وتأتي هذه الدعوة كتكرار لنداء ظل يرافق كل دورة مالية منذ عهد عبد الإله بنكيران، لكنه فشل على مدى سنوات في كبح المنحى التصاعدي المستمر لنفقات التسيير والاستثمار الإداري.
تضمنت المذكرة التوجيهية الجديدة خطوطا عامة تشمل حصر نفقات الموظفين في حدود الاعتمادات المرصودة، وترشيد استهلاك الماء والكهرباء، وتقليص نفقات الاتصالات والسفر والحفلات والندوات، إضافة إلى تقليص اقتناء السيارات الرسمية وبناء المقرات الإدارية إلا للضرورة. كما حددت الحكومة موعد 31 غشت كآخر أجل لإحالة المقترحات على مديرية الميزانية.
لكن الأرقام الرسمية تكشف عن واقع مختلف تماما عن هذه التوجيهات. فقد بلغت نفقات التسيير والتجهيز باستثناء الأجور حوالي 98 مليار درهم في 2024، مقابل 67 مليار درهم في 2015، أي بزيادة تناهز 46% خلال عقد واحد. وسجل المجلس الأعلى للحسابات نموا إجماليا في نفقات الدولة بحوالي 224 مليار درهم بين 2015 و2022، بزيادة تفوق 60%.
من بين النقاط البارزة في هذا التناقض، أسطول السيارات الرسمية الذي ظل يتوسع رغم الدعوات المستمرة لتقليصه. وتشير البيانات الرسمية إلى أن مصاريف الوقود والزيوت وحدها بلغت 3.2 مليارات درهم بين 2016 و2022، بزيادة 33% خلال نفس الفترة، ما يعكس صعوبة ضبط هذه النفقات في غياب سياسة موحدة للمراقبة.
يزداد التحدي تعقيدا مع التزامات الاستثمار الكبرى التي تتبناها الحكومة، بما في ذلك خطط توسيع شبكة القطارات الفائقة السرعة بكلفة 96 مليار درهم، وبرنامج تطوير النقل الجوي بكلفة تقدر بـ160 مليار درهم، إضافة إلى مشاريع مطارية بقيمة 25 مليار درهم. هذه البرامج، رغم أهميتها الاقتصادية، تفرض التزامات مالية متنامية وتحد من هامش المناورة في مجالات أخرى.
المتابعة التاريخية لمذكرات التقشف تكشف ثباتا في الخطاب مع تغير الأسماء فقط. فمنذ بنكيران إلى العثماني وصولا إلى أخنوش، تكررت نفس التوصيات دون تحقيق النتائج المرجوة. في عهد بنكيران، ارتفعت النفقات من 67 إلى 71 مليار درهم، ومع العثماني وصلت إلى 75 مليار درهم في 2019، بينما شهدت مرحلة أخنوش تسارعا لتصل إلى 98 مليار درهم في 2024.
تظهر هذه المعطيات أن المذكرات التوجيهية، رغم أهميتها كإشارة سياسية، لم تتحول إلى آليات تنفيذية مصحوبة برقابة صارمة. وتبقى فعالية أي توجه تقشفي رهينة بقدرة الحكومة على تحويل التوجيهات إلى التزامات ملزمة مدعومة بمؤشرات قياس دقيقة وإرادة لمساءلة القطاعات غير الملتزمة، وهي عناصر ما زالت في خانة النوايا أكثر منها في الممارسات الفعلية.

